انتقل إلى المحتوى

18 جمادى الأولى 1448

بتوقيت دبي

English

أخبار دبي على مدار الساعة

ثقافة ومجتمع

جبال حتا تحتضن 633 معلماً أثرياً.. «سهيلة» يروي حياة المجتمعات الجبلية في دبي

إعداد القسم الرياضيقراءة 4 دقائق

جبال حتا تحتضن 633 معلماً أثرياً.. «سهيلة» يروي حياة المجتمعات الجبلية في دبي

تمتلك إمارة دبي مجموعة واسعة من المواقع الأثرية التي تشكل أدلة مادية على تاريخها العريق وامتدادها الحضاري، وتوثق مراحل متعددة من حياة الجماعات التي سكنت أرضها وعلاقاتها بالمناطق والحضارات المجاورة. وأكدت هيئة الثقافة والفنون في دبي (دبي للثقافة) أنها تولي أولوية قصوى لهذه المواقع نظراً لما تحمله من قيمة ثقافية ومعرفية، وتعمل على توثيقها من خلال تنفيذ عمليات المسح والتنقيب والبحث بالتعاون مع بعثات متخصصة، إضافة إلى صون معالمها والحفاظ على تراثها بما يضمن استمراريتها وتعريف الأجيال القادمة بها، مما يعزز مكانة دبي على خريطة التراث العالمي.

موقع «سهيلة».. نافذة على العصر الإسلامي المتأخر

أشارت الهيئة إلى أن موقع «سهيلة» الأثري، الذي يقع أسفل سفوح جبال الحجر في منطقة حتا، يُعد من أبرز هذه المواقع، إذ يروي قصة مجتمع تمكن من التكيف مع البيئة الجبلية والاستفادة من مواردها، وتكشف مكوناته عن ملامح الحياة في المنطقة خلال العصر الإسلامي المتأخر. وقد وثقت «دبي للثقافة» الموقع من خلال أعمال المسح الأثري التي أجرتها بين عامي 2021 و2026، ويضم الموقع 17 قرية سكنية وأكثر من 633 معلماً أثرياً، تتنوع ين البيوت والمدرجات الزراعية والمساجد وآبار المياه وأبراج المراقبة وغيرها. كما كشفت أعمال المسح والتنقيب عن بقايا أوانٍ فخارية، وأدوات حجرية، وقطع وعملات معدنية، وحلي وأدوات للاستخدام اليومي، والتي شكلت أدلة مهمة على أنشطة السكان وطريقة معيشتهم وصلاتهم التجارية، وساهمت في التعرف على تفاصيل المجتمع الذي عاش في المنطقة آنذاك.

فخار محلي ومستورد.. وشبكات تجارية واسعة

تكشف قطع الفخار المكتشفة في موقع سهيلة الأثري عن اتساع نطاق التواصل بين سكان المنطقة ومحيطهم، فقد ضمت أواني مصنوعة محلياً، إلى جانب بقايا جرار مستوردة من منطقة جلفار في رأس الخيمة، وسلطنة عُمان، مما يشير إلى ارتباط أهالي المنطقة بمراكز صناعة الفخار في جلفار ومدينة بهلاء العُمانية، فضلاً عن اتصالات غير مباشرة امتدت إلى اليمن وبلاد فارس وشرق آسيا والصين. كما تمثل الأدوات المعدنية والحجرية المكتشفة في الموقع دليلاً على الأنشطة التي مارسها السكان في حياتهم اليومية، إذ وُجد العديد منها داخل أفنية البيوت أو بالقرب منها، مما يشير إلى ارتباطها بالأعمال المنزلية وشؤون المعيشة.

عملات وأصداف بحرية.. مؤشرات على النشاط الاقتصادي

تقدم العملات التي اكتُشفت في موقع سهيلة الأثري مؤشرات إلى النشاط الاقتصادي والتجاري في المنطقة، إذ ضمت المكتشفات عملات محلية وأخرى أجنبية، وتكشف هذه العملات عن التبادل التجاري وصلات المجتمعات الجبلية بشبكات تجارية أوسع امتدت إلى الهند ومناطق أخرى في آسيا وأوروبا. وتشير الأصداف البحرية المكتشفة في الموقع إلى وجود صلات مع المناطق الساحلية. وتسهم دراسة الفخار ونتائج التأريخ بالكربون 14 المشع والعملات في تحديد الفترات التي عاش فيها السكان في الموقع، وتبرز أنه شهد نشاطاً بشرياً كثيفاً من القرن الـ18 حتى القرن الـ20، بينما تشير بعض المكتشفات إلى احتمال وجود نشاط بشري في أجزاء منه خلال القرنين الـ14 والـ15. كما يرجح الباحثون أن بعض القرى كانت تُستخدم موسمياً أو لفترات محدودة، خصوصاً خلال فصل الشتاء، حيث ارتبطت حياة سكانها بالرعي والزراعة الموسمية وجمع العسل.

«سهيلة 1» و«سهيلة 2».. نماذج للتجمعات الجبلية

يبرز موقعا «سهيلة 1» و«سهيلة 2» طبيعة هذه التجمعات، فيضم الأول مسجداً وعدداً من المباني السكنية، فيما يشتمل الثاني على البيوت والمسجد ونبعاً للمياه ومقابر ومدرجات زراعية تتركز في وادٍ عميق نسبياً. وتكشف المعالم المعمارية عن أسلوب عيش السكان، إذ تنوعت البيوت بين وحدات سكنية صغيرة تتألف من غرفة واحدة، وأخرى أكبر تضم عدداً من الغرف والأفنية المكشوفة، وشُيد بعضها جزئياً تحت مستوى سطح الأرض للحماية والمساعدة في تنظيم درجات الحرارة. كما ضمت التجمعات أكواخاً وأسواراً للحماية، واستخدم السكان الحجارة المحلية في تشييد جدران مرصوصة. وتشير الأبحاث والدراسات إلى أن هذه المساكن والأكواخ كانت تُغطى بأسقف مختلفة الأشكال مصنوعة من الأخشاب وفروع الأشجار، فيما استُخدمت الأفنية في ممارسة الأنشطة اليومية، مما يوضح ارتباط أساليب البناء بالبيئة المحلية والمواد المتاحة فيها.

إدارة المياه والزراعة.. دروس من الماضي

شكلت المياه عنصراً أساسياً في حياة سكان «سهيلة»، واعتمدوا في توفيرها على مياه الأمطار الموسمية التي تجري في شبكة الأودية المنتشرة في جبال حتا، إلى جانب الينابيع الطبيعية، وأنشأوا سدوداً لتجميع مياه الأمطار، وحفروا آباراً عُرفت محلياً باسم «الطوي» للاستفادة منها خلال فترات الجفاف. واستفادوا من هذه المصادر في الزراعة، وشيدوا مدرجات أسفل سفوح الجبال لزراعة النباتات الموسمية، واعتمدوا في ريها على قنوات صُممت لإيصال المياه إليها والمحافظة عليها، مما يكشف عن أساليب إدارة المياه والزراعة التي اتبعها سكان المنطقة.

حفاظ على الإرث.. جهود متواصلة

تواصل «دبي للثقافة» جهودها للحفاظ على موقع «سهيلة»، من خلال ترميم المعالم الأثرية المكتشفة، إلى جانب التعاون مع بعثات دولية في أعمال البحث والتنقيب. وتمنح هذه المكتشفات والمعالم الأثرية صورة متكاملة عن الحياة القديمة في «سهيلة» عبر فترات زمنية مختلفة، وتوثق جوانب من أنشطة سكانها وعلاقاتهم التجارية وأساليب بنائهم واستفادتهم من موارد المكان الطبيعية، بما يبرز القيمة التاريخية والثقافية للموقع وأهميته ضمن المشهد الأثري في دبي، وضرورة الحفاظ على إرثه للأجيال المقبلة.

المزيد من قسم ثقافة ومجتمع

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن.

اترك تعليقًا

يظهر مع تعليقك.

يبقى خاصًا ولا يظهر أبدًا.

تظهر التعليقات بعد أن يراجعها فريق التحرير ويوافق عليها. احرص على الاحترام والالتزام بقوانين دولة الإمارات، وراجع شروط الاستخدام.

تابع الأخبار

نُشر بعده

نُشر قبله