جميلة الزعابي تستعرض تجربتها في تأهيل النزيلات داخل مؤسسات دبي الإصلاحية
إعداد تحرير أحداث دبيقراءة 5 دقائق
لم تكن السنوات التي قضتها العميد المتقاعد جميلة الزعابي في المؤسسات العقابية والإصلاحية بشرطة دبي مجرد مرحلة وظيفية عابرة، بل تحولت إلى رحلة إنسانية عميقة مع نزيلات، رأت فيهن فرصة لإعادة اكتشاف الذات وتجاوز المحن. لقب “أم النزيلات” لم يأتِ من فراغ، بل تشكل عبر سنوات من الثقة والاحترام المتبادل، حيث لجأت إليها النزيلات كأم ومرشدة، في علاقة نشأت برضاهن وليس بفرض سلطة.
من الانكسار إلى الأمل: قصة معلمة تحولت إلى رائدة أعمال
استعادت الزعابي خلال حوارها مع بودكاست “عرب كاست” محطات فارقة في تجربتها، التي بدأت عام 2015 عندما التحقت بالسجن برتبة رائد. من بين القصص التي بقيت عالقة في ذاكرتها، قصة معلمة كانت تعمل في إحدى الدول الخليجية. تعرفت إلى شخص من جنسية عربية أقنعها بإحضار حبوب مخدرة بدعوى أنها أدوية لعلاج الصداع، قبل أن تُضبط وتودع السجن. واجهت صعوبة في تقبل واقعها الجديد، لكنها التحقت بالدورات التدريبية، ومارست الأعمال اليدوية، واعتنقت الإسلام وحفظت القرآن الكريم. حُكم عليها بالسجن 10 سنوات، لكنها قضت أربع سنوات ونصف السنة بفضل حسن السلوك وحفظ القرآن. بعد خروجها، لم تنقطع علاقتها بالمؤسسة، بل أرسلت صوراً من حياتها الجديدة بعد أن افتتحت مع أختها محلاً للحلويات في بلادها، مستفيدة من مهارات تزيين الكيك التي تعلمتها داخل السجن، حتى أصبح مشروعهما من المحال المعروفة هناك.
تجاوز صدمة السجن: تأهيل نفسي ومهني تدريجي
أوضحت الزعابي أن دخول السجن يشكل صدمة لكثير من النزيلات، خصوصاً خلال الأشهر الستة الأولى، إذ يصعب عليهن استيعاب التحول المفاجئ. لذلك، يجري التعامل معهن تدريجياً بمساعدة الباحثات الاجتماعيات والمتخصصين النفسيين، حيث تحتاج النزيلة أولاً إلى وقت لتستوعب واقعها الجديد، ثم يبدأ المختصون بتوجيهها وتأهيلها نفسياً قبل تحديد مهاراتها وإشراكها في البرامج المناسبة. وأكدت أن فلسفة المؤسسات الإصلاحية تقوم على أن النزيل جزء من المجتمع، وأن الطريقة التي يُعامل بها داخل المؤسسة تؤثر على عودته إليه. يجب أن يخرج وقد حصل على فرصة لإعادة بناء حياته، لا أن يحمل مشاعر الغضب والعداء.
حياة منظمة ونماذج نجاح: من الكروشيه إلى العمل في البنوك
الحياة داخل المؤسسة منظمة، وتشبه في جوانبها السكن الداخلي؛ تبدأ النزيلات بالإفطار في موعد محدد، ثم الرياضة، فالدورات التدريبية والحرف المهنية كالخياطة والكروشيه وصناعة المنتجات اليدوية. يحصلن على مقابل مادي عن أعمالهن ونسبة من عائد بيع المنتجات، مما أتاح لبعضهن الإنفاق على أسرهن وتعليم أبنائهن. المؤسسة لا تكلفهن بأعمال التنظيف العامة، بل تتولاها شركة خارجية، لتحفظ كرامتهن وتساعد على الاستقرار. ورزعت الزعابي واقعة نزيلة بكت مع اقتراب إطلاق سراحها، ليس فرحاً بل حزناً لمغادرة المكان الذي اعتادت عليه، حيث كانت تتقاضى مقابلاً لعملها. وتحدثت عن نجاح نزيلات بعد الإفراج عنهن في قطاعات العقارات والبنوك، وإحداهن اشتهرت كمؤثرة في الموضة على مواقع التواصل.
أطفال بلا وصمة: رعاية استثنائية لأبناء النزيلات
رعاية أطفال النزيلات كانت من الملفات التي حظيت باهتمام خاص. حرصت المؤسسة على ضمان حقوقهم في الرعاية والتعليم، وألا يتحملوا تبعات أخطاء أمهاتهم. القانون يسمح ببقاء الطفل مع أمه حتى عمر عامين، مع مراعاة احتياجاتهما، ثم ينتقل إلى دار الرعاية التابعة لمؤسسة المرأة والطفل. أبرمت المؤسسة اتفاقاً مع مدرسة خاصة لإلحاق الأطفال بالدراسة، مع توفير وسائل نقل خاصة لا تحمل شعار الشرطة، حتى لا يعرف زملاؤهم وضع أمهاتهم. تُنظّم اتصالات مرئية وزيارات لضمان استمرار علاقة الطفل بأمه. ومن المواقف الإنسانية التي لا تنساها الزعابي، طلب ابنة إحدى النزيلات مساعدة المؤسسة في استكمال إجراءات زواجها، إذ كانت تحتاج إلى توقيع والدها المسجون. فجّه مدير المؤسسات العقابية والإصلاحية آنذاك بمساعدتها، فأقيم حفل زفاف كامل، أتيحت للأب فرصة مشاهدة ابنته في يومها الكبير.
لقاءات بعد فراق طويل: أب احتضن ابنته بعد 6 سنوات
روت الزعابي قصة أب دخل السجن حين كان عمر ابنته عامين، ولم يتمكن من رؤيتها حتى اقتربت من الثامنة. رتبت المؤسسة مفاجأة بمناسبة عيد ميلادها، فجاءت الأسرة في زيارة بدت عادية، ثم فاجأتها الطفلة تركض نحوه وتحتضنه، في مشهد أبكى الموجودين. ومن القصص الأكثر تأثيراً، نزيلة قضت 14 عاماً في السجن دون أن ترى أهلها. كانت تتمنى لقاء والديها، فتواصلت المؤسسة مع أسرتها ورتبت مفاجأة؛ أُبلغت النزيلة بأن المدير يريد مقابلتها بسبب أمر غير عادي، فدخلت وهي تتوقع المساءلة، فوجئت بوالديها أمامها، لتنهار بين أذرعهما فرحةً. وفي واقعة أخرى، انحنت نزيلة وقبّلت حذاء والدتها حين زارتها، طلبة السماح، مثقلة بالندم على جريمتها.
وصمة السجن: التحديات بعد الإفراج وفرصة للبدء من جديد
أشارت الزعابي إلى أن الحصول على شهادة حسن السيرة والسلوك كان من أبرز التحديات، إلى جانب رفض بعض أصحاب العمل توظيف النزيلات بسبب ماضيهن. لكن هناك تسهيلات حدثت في منح الشهادة، مما يساعد على إعادة الدمج وفتح أبواب العمل. شددت على أن وصمة السجن تعرقل الإصلاح حين يستمر المجمت في محاسبة الإنسان طوال حياته على خطأ عوقب عليه، وأكدت أن النزيل ينبغي ألا يخجل من دخوله السجن، بل يتعامل معه كمرحلة انتهت، ويستفيد مما اكتسبه، ويتصالح مع نفسه ويبدا مجدداً. وأشارت إلى أن لقاءات الاتصال المرئي أحدثت فرقاً في تواصل النزلاء مع أسرهم، خصوصاً أولئك الذين يعيش أهلوهم في دول بعيدة، حيث كانت الزيارات المباشرة محدودة بسبب المسافات والتكاليف.
عقوبات بديلة وفرص عمل: أمل في مستقبل أفضل
في ختام حوارها، عبرت الزعابي عن أملها في التوسع في تطبيق العقوبات البديلة في بعض الجرائم البسيطة، خصوصاً الجنح والقضايا المالية، متسائلة عن إمكانية إتاحة الفرصة لبعض المحكوم عليهم للعمل وسداد ديونهم بدلاً من البقاء في السجن، متى سمحت طبيعة القضية والقانون بذلك. وتحدثت عن نزيلة تُعرف بلقب “بيج ماما”، محكومة بالسجن المؤبد، لكنها تحولت إلى أم حقيقية لكثيرات من النزيلات، كانت تجلس إلى جوار من تعاني الاكتئاب وتتركها تسند رأسها إلى ساقها لتطمئن، مؤكدة قدرة الأمومة على التأثير في الآخرين مهما اختلفت خلفياتهم.









