ذاكرة الأجداد تتحول إلى تصاميم معاصرة على أيدي مصممات إماراتيات
إعداد القسم الرياضيقراءة 6 دقائق
لم تعد الحرف القديمة والعادات والتقاليد مجرد ذكريات تُحفظ في المتاحف، بل صارت مصدر إلهام حياً لمبدعين إماراتيين يعيدون تقديمها بثوب معاصر، مستعينين بالتقنيات الحديثة التي تفتح أمامهم آفاقاً جديدة لإبراز الهوية الوطنية في أعمال فنية وتصميمية.
وفي هذا الإطار، تلفت تجربة المصممتين الإماراتيتين فريال البستكي والجود لوتاه الأنظار، إذ نجحتا في تحويل مفردات البيئة المحلية والذاكرة الشعبية إلى عناصر إبداعية حاضرة في عالم الأزياء والتصميم والديكور، بالاعتماد على الألوان والخامات والزخارف والحرف التقليدية، ثم إعادة إنتاجها بروح تناسب العصر.
وأكدت المصممتان، في تصريحات لصحيفة «الإمارات اليوم»، أن التقنيات الحديثة لم تُلغِ التراث، بل منحته مساحات جديدة للحضور في المستقبل، من خلال توظيف عناصر البيئة المحلية ومفردات الذاكرة البصرية في تصاميم تمزج بين عبق الماضي وحداثة اليوم.
التراث جزء من الذاكرة والهوية
ترى فريال البستكي أن التراث الإماراتي ليس مجرد مصدر إلهام تستعين به عند تصميم مجموعة جديدة، بل هو امتداد لطفولتها وذاكرتها وهويتها التي ترعرعت في ظلها.
وقالت البستكي: «نشأتي في دبي جعلتني أحتفظ بالكثير من التفاصيل المرتبطة بالماضي، بدءاً من بيوت الأجداد وأبوابها وزخارفها، وصولاً إلى ألوان الأقمشة والتطريزات التي كانت تزيّن ملابس الأمهات والجدات، وجلسات العائلة والمناسبات التي تجمع أفرادها، هذه التفاصيل التي شكّلت جزءاً من حياتي اليومية، أصبحت لاحقاً مصدراً مهماً لإلهامي الفني».
ومع انطلاقتها في تصميم الأزياء، وجدت البستكي نفسها تعود إلى تلك الذكريات وتسعى إلى ترجمتها في تصاميم تحمل لمسة تراثية تواكب العصر. وتحرص على إبراز حرفة التلي والنقدة، والمخورة الإماراتية والسويعية، إلى جانب التطريزات التراثية التي تبرز براعة المرأة الإماراتية وذوقها، كما تستلهم من العمارة القديمة والأقواس والزخارف الجصية، وألوان الصحراء وبحر جميرا وأشجار الغاف، وتعيد تشكيلها في تفاصيل فنية تختزن مشاعر وذكريات مرتبطة بالمكان.
وتوظف البستكي خبرتها في الرسم والفن التشكيلي ضمن تصاميمها، إذ تنطلق بعض قطعها من لوحات مائية، تعيد رسم تفاصيلها على القماش، ثم تضيف إليها التطريز والخيوط والخرز، فتحول القطعة إلى استمرار للوحة فنية.
وتؤمن البستكي بأن وراء كل تصميم حكاية، وأن من أجمل ما يمكن تقديمه للأجيال الجديدة أن يحمل الجيل الجديد تراثه في ملابسه ويعتز به، لا أن يظل حبيس الصور وأجنحة المتاحف. فالتراث، من وجهة نظرها، ليس أثراً مضى وانقضى، بل ذاكرة نابضة يمكن إعادة اكتشافها وبث حياة جديدة فيها عبر الفن والتصميم.
التصميم لغة للتواصل الثقافي
وفي حديثها عن تفاعل الجمهور مع التصاميم المستوحاة من التراث الإماراتي، توضح البستكي أنها رصدت فضولاً لدى جمهور من خلفيات ثقافية متنوعة للتعرف إلى تفاصيل هذا التراث، لا سيما حين تسرد خلفية كل قطعة ومصدر وحيها والحرفة التي اعتمدتها.
وتشير إلى أن خصلة صغيرة من التلي أو غرزة نقدة قد تفتح باب حديث عن ما تحمله المرأة الإماراتية من إرث ومهارة وصبر وحس فني.
ومن التجارب التي تعتز بها مشروعها الثقافي الفني المشترك مع تايلاند، الذي مزج أناقة الحرير التايلاندي بمفردات مستلهمة من التلي الإماراتي. وترى أن هذه التجربة أثبتت أن الفنون قادرة على فتح قنوات حوار بين الثقافات وإغناء الإبداع دون المساس بهوية أي طرف.
ولا تقتصر البستكي في استعمال التراث على الأزياء الشعبية، بل تحرص على تقديمه من خلال الأوشحة الحريرية والإكسسوارات واللوحات التشكيلية والقطع العصرية، لتقترب من أذواق وثقافات متباينة. وتصف كل قطعة مستوحاة من التراث الإماراتي تصل إلى العالم بأنها سفيرة مصغرة للإمارات، تروي قصة ترابها وتاريخها وذاكرتها.
وتؤكد أن مسؤولية المبدعين الإماراتيين تتمثل في تقديم هذا الإرث بصورة أصيلة ومعاصرة، تُظهر محاسن الثقافة المحلية وتفتح مسارات للتحاور مع ثقافات العالم.
بين الأصالة والحداثة
وتلفت البستكي إلى أن الشباب اليوم يتنقلون بين صيحات الموضة ووسائل التكنولوجيا والاتجاهات العالمية من جهة، وجذورهم وهويتهم وذكريات أسرهم من جهة أخرى، مشيرة إلى أن الأجيال الشابة تتوق لإظهار انتمائها بطريقة تنسجم مع نمط حياتها الراهن.
وترى أن عرض الموروث بطرق عصرية ومنهجية مدروسة يزيد إقبال الشباب عليه وتعلقهم به، مستشهدة باستخدام التلي في عباءة بقَصّة عصرية، أو تحويل زخارف منازل الأجداد إلى وشاح من الحرير، مؤكدة أن ذلك لا يمس جوهر التراث، بل يفسح له مجالاً جديداً ليبقى طليقاً في الحياة الحديثة.
وتشدد على أن حفظ التراث واجب تتضافر فيه جهود الأسرة والمجتمع والمؤسسات الثقافية والمصممين، معربة عن أملها في أن يعرض مصممون شباب إضافيون الموروث الإماراتي على العالم من خلال رؤاهم المستقلة، وأن تتحول الحرف المحلية إلى عنصر أصيل في قاموس الموضة العالمي، بما تنطوي عليه من إرث تاريخي وقيم إنسانية وثقافية.
ذاكرة المدينة في تصاميم معاصرة
أما المصممة الجود لوتاه، فتوضح أن علاقتها بالبيئة والموروث الإماراتي نشأت بشكل تلقائي، بفعل تربيتها في دبي ومتابعتها التحولات التي مرت بها المدينة عبر عقود. وأكثر ما يستحوذ على اهتمامها، كما تقول، إدراك كيف كانت الحياة سابقاً، وأثر البيئة وأساليب المعيشة على العمارة والتصميم ومفردات الحياة اليومية.
وقالت لوتاه: «أرشيف الصور الذي وثّقه جدي لدبي أسهم في منحي منظوراً مختلفاً للمدينة، وساعدني على فهم علاقتي بالماضي، وكيف تطورت مع مرور الوقت».
وفي إطار نشاطها داخل استوديو الجود لوتاه، تولي عناية خاصة بالغوص في هذه التفاصيل واستيعاب القصص والأفكار الكامنة خلفها، ثم إعادة صياغتها بلغة عصرية، في الأثاث أو اللوحات الفنية أو هندسة الفراغات.
وتؤكد أن استحضار الموروث لا يستوجب نسخ عناصره حرفياً، بل يكمن الجوهر في إدراك قيمته وصون دلالاته وإبرازها ضمن التصاميم الجديدة.
تقنيات حديثة في خدمة الهوية
وتشير لوتاه إلى أن المادة تمثل ركيزة أساسية في أي مشروع تصميمي، وكثيراً ما تكون شرارة انطلاق الفكرة، موضحة أنها تسعى إلى فهم مصدر المادة وسبل استعمالها ومواصفاتها، واختبار إمكانيات توظيفها في سياقات متعددة.
وتميل إلى استخدام الخامات الطبيعية القريبة من البيئة المحلية، في ملمسها أو لونها أو أسلوب صنعها، مع خوض تجارب لمزجها بخامات وتقنيات عصرية بحثاً عن مخرجات مبتكرة. كما تعول في بعض مشاريعها على شراكة مع حرفيين وصنّاع، إذ تظهر خلال مراحل التجريب والإنتاج قدرات خفية للخامات لم تكن مكتشفة سلفاً.
وترى أن انتماء التصميم إلى هوية معينة لا يتطلب بالضرورة مظهراً تراثياً صريحاً، فقد تكفي الخامة بذاتها أو أسلوب معالجتها للإيحاء بالبيئة والثقافة المنبثق منها العمل، وهذا يحقق قطعة عصرية تظل على صلة وثيقة بجذورها المكانية.
مساحة للتجربة والتطوير
وتؤكد لوتاه ضرورة ألا يُنظر إلى الموروث بوصفه كياناً جامداً أو حبيس الماضي، بل فضاء رحباً للتجريب والتطوير، في ظل بروز جيل من المصممين والفنانين يجيدون أساليب مغايرة في التفكير والتعبير.
وتوضح أن أبناء الجيل الجديد يميلون بقوة إلى المشاريع التي تحمل رؤى مبتكرة وتجارب تفاعلية، عوضاً عن تكرار الرموز والمفردات القديمة بلا روح.
وتشير إلى مشاركتها في معرض «إرث الغد» للمصممين الإماراتيين، الذي يضم 30 مصمماً من قاطني الدولة، ويقدم تصوراً أشمل للموروث يتجاوز الحرف والخامات ليشمل العادات والبيئة والتقنية وأنماط العلاقات الاجتماعية.
جذور الماضي وطموح المستقبل
تكشف مسيرتا فريال البستكي والجود لوتاه عن تعدد طرق استيحاء الموروث الإماراتي وتجسيده في أعمال حديثة، فبين استعمال الحرف اليدوية في الأزياء، والتنقيب في الخامات والعمارة والبيئة على صعيد التصميم، تتجلى مقدرة المبدعين على صون الذاكرة الثقافية وإلباسها قوالب جديدة تلبي احتياجات اليوم.
وتؤكد هذه التجارب أن الانخراط في مسار التطور لا يستلزم التنازل عن الهوية، بل يوسع منافذ التعريف بالموروث الإماراتي وتمكين الأجيال الجديدة والجمهور الدولي من الوصول إليه، عبر أعمال تمزج عبق الماضي بابتكارات الحاضر وطموحات المستقبل.









