قصور لندن الفاخرة تفقد بريقها.. أثرياء العالم يغادرون بعد إلغاء الامتيازات الضريبية
إعداد القسم الرياضيقراءة 5 دقائق
وصف الملياردير النرويجي جون فريدريكسن بريطانيا بأنها ذهبت إلى الجحيم، في تصريحات تزامنت مع أنباء عن استعداده لبيع قصره الفاخر في حي تشيلسي اللندني، المعروف باسم «ذا أولد ريكتوري»، مقابل نحو 250 مليون جنيه إسترليني، ونقل مركز أعماله إلى دبي.
القصر الذي يعود إلى القرن الثامن عشر يمتد على مساحة تقارب 30 ألف قدم مربعة، ويضم عشر غرف نوم وقاعة احتفالات وحدائق واسعة. كان فريدريكسن قد اشتراه عام 2001 مقابل نحو 37 مليون جنيه إسترليني.
إلغاء نظام «نون-دوم» يغير قواعد اللعبة
ما حدث مع فريدريكسن في عام 2025 أصبح رمزاً لتحول أعمق يضرب سوق العقارات الفاخرة في لندن، بعد إلغاء الامتيازات الضريبية التي استقطبت الأثرياء الأجانب لعقود. فالنظام المعروف باسم «نون-دوم» أو نظام المقيمين غير المتوطنين ضريبياً، كان يسمح للأفراد المقيمين في بريطانيا الذين يُعد موطنهم الدائم خارجها بالاستفادة من معاملة خاصة للدخل والأرباح المحققة في الخارج، شريطة عدم تحويل تلك الأموال إلى بريطانيا.
لكن في أبريل 2025، دخل تغيير جذري حيز التنفيذ، مع إلغاء النظام السابق واستبداله بإطار يعتمد بصورة أساسية على مدة الإقامة الضريبية، مع إعفاءات محددة للدخل والمكاسب الأجنبية خلال السنوات الأربع الأولى للمؤهلين. وبالنسبة للأثرياء الذين أمضوا سنوات طويلة في بريطانيا، لم يكن التغيير مجرد تعديل محاسبي، بل إعادة تقييم شاملة لتكلفة الإقامة، خصوصاً مع التغييرات المتعلقة بضريبة الميراث والأصول العالمية.
أرقام تكشف تراجع سوق القصور
بحسب تحليل لشركة «بوشامب إستيتس» نقلته صحيفة سيتي إيه إم، شكّل المالكون من فئة المقيمين غير المتوطنين ضريبياً نحو 65% من البائعين في صفقات العقارات التي تتجاوز قيمتها 15 مليون جنيه إسترليني خلال عام 2025. وهذه النسبة تعكس تركيبة البائعين ضمن تلك الشريحة، ولا تعني أن 65% من جميع أصحاب القصور غادروا بريطانيا.
في المقابل، تشير بيانات «نايت فرانك» الصادرة في أكتوبر 2026 إلى أن متوسط أسعار العقارات الفاخرة في وسط لندن انخفض بنحو 22% مقارنة بذروته في أغسطس 2015. أما مؤشر «كوتس» للعقارات الفاخرة فيكشف عن تحول مهم في موازين التفاوض؛ إذ بلغ متوسط الخصم على أسعار الطلب للعقارات التي تتجاوز قيمتها 10 ملايين جنيه إسترليني نحو 16.1% في الربع الثاني من 2026. بمعنى آخر، قد يكون قصر معروض للبيع بسعر 20 مليون جنيه عرضة لتخفيضات كبيرة قبل إتمام الصفقة، وإن كانت الخصومات الفعلية تختلف بصورة واسعة من عقار إلى آخر.
دبي تستقطب الأثرياء.. 500 صفقة فاخرة في 2025
التحول لا يقتصر على خروج بعض الأثرياء من بريطانيا، بل يشمل المنافسة بين المدن العالمية على استقطاب رؤوس الأموال. فبينما تواجه لندن تحديات ضريبية وضغوطاً على الأسعار، عززت دبي موقعها في سوق العقارات فائقة الفخامة. وتكشف بيانات «نايت فرانك» أن دبي سجلت 500 صفقة لعقارات تتجاوز قيمتها 10 ملايين دولار خلال عام 2025، مقارنة بنحو ثلث هذا العدد في لندن ضمن الشريحة نفسها.
وفي الربع الأخير من 2025 وحده، سجلت دبي 143 صفقة بقيمة إجمالية بلغت نحو 2.5 مليار دولار، مقابل 35 صفقة في لندن بقيمة 724 مليون دولار. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الأموال الخارجة من لندن انتقلت مباشرة إلى عقارات دبي؛ فالسوقان تتأثران بعوامل مختلفة، كما أن إيطاليا وسويسرا تنافسان أيضاً على استقطاب الأثرياء الدوليين. لكن الفارق في النشاط العقاري يعكس تحولاً في جاذبية بعض الوجهات، خصوصاً عندما تصبح الضرائب والإقامة وإدارة الثروات جزءاً من القرار الاستثماري.
فرصة للمشترين أم إعادة تسعير؟
المفارقة أن الضغوط التي تدفع بعض أصحاب القصور إلى البيع قد تخلق فرصاً لمستثمرين آخرين. فالعقارات التاريخية في تشيلسي وبلغرافيا ونايتسبريدج لا يمكن زيادة المعروض منها بسهولة، وهو ما يجعل الأصول الاستثنائية تحتفظ بجاذبيتها لدى شريحة محدودة من المشترين العالميين. ورغم تراجع الأسعار، فإن أحدث بيانات «نايت فرانك» تشير إلى تسجيل 121 صفقة تتجاوز قيمتها 10 ملايين جنيه إسترليني خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في سبتمبر 2026، وهو العدد نفسه المسجل خلال الفترة السابقة، بينما ارتفعت القيمة الإجمالية للصفقات بنسبة 14% إلى نحو 2.4 مليار جنيه.
وهذا يعني أن السوق لا يشهد انهياراً شاملاً، بل إعادة تسعير وانتقالاً في ملكية بعض الأصول من بائعين يعيدون النظر في ارتباطهم ببريطانيا إلى مشترين يرون فرصة في الأسعار الحالية. بل إن التمييز بين العقارات أصبح أكثر أهمية: فالقصر التاريخي النادر والمجدد بالكامل قد يجد مشترياً ثرياً، بينما تواجه العقارات الأقل تميزاً أو التي تحتاج إلى تجديدات كبيرة ضغوطاً أكبر على أسعارها.
معركة لندن على الثروات لم تنته بعد
في جوهرها، تعكس هذه التحولات منافسة اقتصادية أوسع بين المراكز المالية العالمية. فالأثرياء لا يجلبون معهم الأموال المخصصة لشراء المنازل فقط، بل ينفقون على الخدمات القانونية والمصرفية وإدارة الثروات والتعليم والضيافة، وقد يؤسسون شركات ويوظفون عاملين ويستثمرون في قطاعات مختلفة. لذلك، فإن انتقال بعض أصحاب الثروات قد يترك آثاراً تتجاوز سوق العقارات إلى منظومة الخدمات المرتبطة بهم.
في المقابل، تراهن بريطانيا على أن الإصلاحات الضريبية تحقق قدراً أكبر من العدالة والإيرادات العامة، من دون أن تفقد لندن مكانتها بوصفها مركزاً عالمياً للأعمال والمال. وتبقى هذه المعادلة موضع اختبار: فخروج بعض المليارديرات لا يعني بالضرورة خسارة اقتصادية صافية للدولة، مثلما أن بيع القصور لا يعني اختفاء الطلب على العقارات البريطانية. ومع اقتراب الموازنة البريطانية الجديدة في 28 أكتوبر 2026، تترقب السوق ما إذا كانت القرارات المقبلة ستضيف مزيداً من الضغوط الضريبية أو تمنح المستثمرين وضوحاً أكبر بشأن المستقبل.
في النهاية، لم تعد المنافسة العالمية على جذب الأثرياء تُحسم فقط بأجمل القصور أو أرقى الأحيان، بل بالقدرة على توفير بيئة اقتصادية وضريبية تجعل أصحاب الثروات راغبين في البقاء. وربما تكون المفارقة الأكبر أن القصور التي كانت رمزاً لصعود لندن مركزاً عالمياً للثروة، أصبحت اليوم مؤشراً على الطريقة التي يعيد بها المال العالمي اختيار عواصمه.









